ساسي سالم الحاج
194
نقد الخطاب الاستشراقي
من تلقاء أنفسهم . وعندما أعيته الحيلة حاصرهم ثم انتصر عسكريّا عليهم ، ولكنه وفّر عليهم أرواحهم وأنقذهم من المصير الذي يستحقونه عن جدارة . فلو تركنا ذلك كله ، وحلّلنا موقف الرسول من بني قريظة لوجدناه عبارة عن دفاع شرعي قام به ضد أعدائه الذين حرّضوا عليه قريشا والعرب من بني غطفان للقضاء المبرم عليه . ذلك أن السبب الأساسي لغزوة الخندق يمكن في أنه بعد إجلاء بني النضير من المدينة قام نفر من بني قريظة وبني النضير وقدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول اللّه وأنهم سيكونون معهم في ذلك . ثم ذهبوا إلى غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول اللّه وأخبروهم أنهم سيكونون معهم « 1 » . وهكذا كان بنو قريظة هم السبب في جمع الجموع ضد الرسول . وكانوا السبب في حصار المدينة الذي استمرّ أياما طويلة كانت الدعوة الإسلامية تمرّ في أثنائها بأخطر مراحلها حينما اجتمع عليها أعداؤها يدا واحدة للقضاء عليها . بل إن بني قريظة حاولوا الهجوم على المدينة ليلا إبّان حصارها وضرب المسلمين من الخلف ، ويكونون بذلك قد نقضوا العهد الذي أبرموه مع الرسول ، وناصروا أعداءه عليه ، وحرّضوا خصومه ضده . وهذا الموقف يستحق ردّا قاسيا ملائما له ، وهذا هو السبب الذي دعا الرسول إلى الحكم عليهم بالإعدام لارتكابهم الخيانة العظمى ضده . ولا يغرنّك تأسي المستشرقين على هذا الحكم الذي تنحسر عنه صفة الشدة والقسوة عندما تتذكّر أن هؤلاء كانوا معاهدين فنقضوا العهد ، وكانوا حلفاء فقاتلوا حلفاءهم من المسلمين وهم في موقف حرج كانوا أحوج فيه إلى النّصرة والمساعدة . ولو عفا عنهم الرسول وذهبوا إلى خيبر لكثروا الجموع عليه ، ولناصبوه العداوة والقتال عندما تكون الظروف سانحة . ومن هنا يفقد التفجّع والتأسي على مصيرهم كل معنى إنساني ، ناهيك من أن هذه التصرّفات كانت عادية بمعيار أخلاق وتصرّفات ذلك الزمان . وما زالت كما هي عليه إلى الآن ، فالمعايير الخلقية لم تتغيّر كثيرا بالنسبة إلى مصالح الدول العليا إذ يباح من أجلها ما هو مستنكر للرجل العادي في الظروف العادية . هكذا أتينا على بحوثنا الأربعة حول السيرة النبوية التي درسناها من وجهة نظر استشراقية . وقد حاولنا التعرّض إلى النقاط البارزة في حياة الرسول الحافلة بجلائل الأعمال فعرضنا آراءهم حولها ، ثم حلّلناها ومحصناها ورددنا على شبهاتهم حولها .
--> ( 1 ) الطبري تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 3 ، ص 1463 - 1464 .